محمد أبو زهرة

3876

زهرة التفاسير

للنفي ، ونفى النفي إثبات ، والمعنى لم تسيروا ، وفيه تحريض على السير في الأرض ليروا عاقبة الذين من قبلهم ، وأنكروا ولجّوا في الإنكار ، وعاندوا مثلهم ، فليعرفوا حالهم مما آل إليه أمر من سبقوهم . مآلهم بعد ذلك في الآخرة أشد وأنكى وأدوم ، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك ببيان عاقبة الذين من قبلهم ، فقال تعالت كلماته : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أي أنه سيصيبكم ما أصاب الذين من قبلكم ، والذين اتقوا ينجون من العذاب الساحق الذي ينزل بالكافرين ، وليست النجاة وحدها جزاءهم فذلك جزاء سلبى ، والجزاء الإيجابى في الآخرة ، ولذا قال مؤكدا وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ، أي اتقوا غضب اللّه ، واتقوا الشرك ، واتقوا العذاب ، وغلبت عليهم في ذات أنفسهم التقوى والإيمان والإذعان للحق . ودعاهم سبحانه وتعالى إلى التفكير ، واستعمال عقولهم ، فقال : أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( الفاء ) كما ذكرنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن ما قبلها من أحوال الأمم ، وما يكون يوم القيامة للأبرار يدعوهم إلى التعقل والتفكير ، والهمزة للاستفهام الإنكارى الباعث على العقل والفكر ، فإنه إنكار للدعوة إلى إعمال العقل ، وتدبر مآلهم ، واللّه بكل شئ عليم . وقد بين سبحانه وتعالى سنته في أعمال الرسول ، ومآل الأمر حال يأسهم ، فقال تعالت حكمته . حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) . هنا كلام مقدر بما جاء بعد ، و حَتَّى غايته ، والمعنى أن الرسل جاءوا ودعوا وكذبوا وحوربوا ، وقلّ المؤمنون بجوار الكافرين وكانوا يسخرون من الذين آمنوا حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا .